الواحــــــــة

 

 نظرات في صحيح السيرة النبوية

الإيجابية وفن الممكن

إعداد : نبيل صالح النعيمى

الإسلام دين يدعو أتباعه إلى الإيجابية والتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه بصورة يجعله مؤثرا ومتأثرا بالخير والمعروف.  فالمسلم عنصر بان للخير هادم للشر بما أوجبه الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" فهو عنصر إيجابي داخل المجتمع وخارجه يرنو إلى الإصلاح ويقاوم الشر والفساد .   يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه من فقه الدولة في الإسلام ص 94 " إن المسلم مطالب – بمقتضى إيمانه – ألا يقف موقف المتفرج من المنكر ، أيا كان نوعه ، سياسيا كان أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو ثقافيا ، بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد إن استطاع وإلا فباللسان والبيان ، فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها وهي التغيير بالقلب وهي التي جعلها الحديث أضعف الإيمان"، ا هـ ، ويقول في ص 119 " والمسلم بهذا ليس مجرد إنسان صالح بنفسه يفعل الخير ويدع الشر، ويعيش في دائرته الخاصة ، لا يبالي بالخير وهو يراه ينزوي ويتحطم أمامه ولا بالشر وهو يراه يعشش ويفرخ من حوله" ا.هـ .

    ويذهب الإسلام أبعد ما يكون عندما يطالب المسلم بالإيجابية ، فهو يطالبه بالممكن بل وبمحاولة المستحيل وليس أدل على ذلك من الحديث "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"  رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني. فأي أمل للمرء في الحياة عندما يعاين الآخرة وقيام الساعة، ومع ذلك يحثه الإسلام على إتمام عمله ولو كان عملا دنيويا كالزرع.

  والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كان يجهر بالدعوة وينشرها ويتحين كل فرصة ممكنة حتى يبلغ دين الله ، وكان يصبر على أذى قومه وصدهم إياه في كل سبيل ، بل كان ورغم ضعفه وضعف أتباعه لا يتردد في مجابهة ومواجهة الباطل بكل الطرق الممكنة إلا أن يكون شيئا ليس في مصلحة الدعوة والمسلمين في هذه المرحلة من عمر الدعوة الإسلامية.

  ومن وقائع السيرة التي  تبين ما نحن بصدد الحديث عنه من الإيجابية والعمل بالممكن في احقاق الحق ودحر الباطل ‏عن ‏ ‏علي ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال : "‏ انطلقت أنا والنبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حتى أتينا ‏‏ الكعبة ‏ ‏فقال لي رسول الله ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏اجلس وصعد على ‏ ‏منكبي ‏ ‏فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا فنزل وجلس لي نبي الله ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقال اصعد على ‏ ‏منكبي ‏ ‏قال فصعدت على ‏ ‏منكبيه ‏ ‏قال فنهض بي قال فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت ‏ ‏أفق ‏ ‏السماء حتى صعدت على ‏ ‏البيت ‏ ‏وعليه تمثال ‏ ‏صفر ‏ ‏أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر ‏ ‏القوارير ‏ ‏ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن ‏ ‏يلقانا أحد من الناس"  رواه أحمد والحاكم وغيرهما .

  ها هو نبينا صلى الله عليه وسلم على ملة ودرب أبيه أبي الأنبياء إبراهيم "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ان تولوا مدبرين . فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون" ، هكذا انطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أحد جنوده المخلصين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وإن كان صغير السن وقتذالك ، لكن صغر السن لا يحول دون المهمات الكبرى ما وجد الإيمان العظيم وحب التضحية والفداء لهذه الدعوة .

  انطلقا ليزيلا رموز الشرك والباطل عن ظهر أطهر بقعة في الأرض وهي الكعبة ، إن الأصنام والتماثيل بكل مبررات صنعها وإيجادها لتمثل جانبا واضحا أو خفيا من العبودية لغير الله  ، وتمثل ذريعة إلى التعلق بشيء مخلوق دون الخالق ولذلك حرّم الإسلام صناعتها واقتناءها وذلك للتماثيل ذوات الأرواح .

  أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يحطم الأصنام بيده الشريفة كما فعل جده إبراهيم ولكن عليا رضي الله عنه كان فيه ضعف لم يطق معه النهوض بالنبي صلى الله عليه وسلم ليصل إلى سقف الكعبة ، فرحم النبي صلى الله عليه وسلم ضعفه ولم يكلفه فوق طاقته ، كذا هي سيرته ومنهجه مع أصحابه ، كان بهم رحيما ودودا. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بكل تواضع القائد العظيم الذي وضع نصب عينيه تنفيذ المهمة بكل نجاح بغض النظر عن أي اعتبارات شخصية أو شكلية ، وأمر عليا أن يصعد على منكبه الشريف ليتولى المهمة.

  علي وهو على منكب النبي الشريف ، يحس بعلو الحق وارتفاعه ، يشعر أنه بلغ أفق السماء وكأنه يخبرنا بأن تلك اللحظة كانت هي لحظة اتصال الأرض بالسماء والإيذان بانتصار التوحيد على الشرك ، وأن مدد السماء قريب وأن ساعة النصرأزفت.

  فلما صعد علي رضي الله عنه على البيت أخذ يحرك التماثيل ويزاولها حتى أدناها من الحافة والنبي صلى الله عليه وسلم  يشجعه ويحثه على أن يقذف بها وأن لا يخشى في الله أحد ، يلهمه أن هذه التماثيل لا تضر ولا تنفع ، وأنها آلهة مزيفة وطواغيت ضعيفة ليس لها قرار ولا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا.

  سقط الصنم وهوى وتكسر كما تتكسر القوارير ، يالضعف الباطل وهشاشته  ، إن يد الحق القوية قادرة بإذن الله أن تسحقه . ثم انطلق النبي صلى الله عليه وسلم  وعلي قبل أن يراهما أحد فتواريا  بين البيوت ، فحماية أبناء الدعوة هي حماية للدعوة نفسها وتعريض أبناء الدعوة في مرحلة الضعف لعنف وبطش الباطل هو تعريض للدعوة للفناء أو الانحسار ، فلا بد للمهمة أن تكون محبوكة الخطة تراعي سلامة أفراد هذا الدين وحفظ سلامتهم  حتى يتم التمكين.

  مما يستفاد من هذه الرواية :

 ·        مشروعية انكار المنكر باليد حتى في حالة الضعف مع مراعاة الضوابط الشرعية .

·        الحذر وطلب الفرصة المناسبة لتغيير المنكر.

·        تربية المسلم على الفدائية والتضحية للدين منذ الصغر.

·        تواضع القائد المسلم لأتباعه وقيامه بالمهمات قدوة لهم.

·        الرفق والرحمة بالأتباع والرعية وعدم تكليفهم ما لا يطيقون والحرص على سلامتهم.

·        أن الشرك أعظم المنكرات ، ولذلك غامر النبي صلى الله عليه وسلم  بنفسه وبعلي من أجل إزالة رمز هذا الشرك من فوق الكعبة رمز التوحيد وعبادة الله.

·        أن التغرير بالنفس جائز عند غلبة الظن بتحقق مصلحة كبرى .

·        مشروعية الجماعة في إزالة المنكر عندما يعجز الأفراد عن ذلك ، يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه من فقه الدولة في الإسلام ص 94-95 " وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر.........وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجبا لا ريب فيه لأنه تعاون على البر والتقوى" .

·        أن المسلم مطالب بالممكن وما له قدرة عليه ، فلم يكلف المسلمون بالقتال في المرحلة المكية إنما بالدعوة والبيان وإزالة المنكر على قدر الإمكان.

 

للمراسلة :Aboayoub63@hotmail.com


جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسى الموقع
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مشرفى الموقع

 لاتنسونا فى دعواتكم

 
 

الصفحة الرئيسية

جديد الموقع

عن الموقع

تأملات

إعجاز علمــى

عبر من السيرة

أبناؤنــا

قطـــوف

سبحان الله

حديث قدســى

دعـــاء

مواقع للزيارة

سجل الضيوف