الواحــــــــة

 

 نظرات في صحيح السيرة النبوية

زيد بن عمرو بن نفيل .... البحث عن الدين الحق  

إعداد : نبيل صالح النعيمى

 كثيرة  هي الأحداث والمواقف التي تستوقف المرء عندما يقرأ في التاريخ عموما أو في السيرة النبوية المطهرة، وتجعله يتأملها ويستخرج منها العبر والدروس لحاضره أو مستقبله.

  وفي هذا المقال يحق لنا أن نتوقف قليلا مع قصة زيد بن عمرو بن نفيل أحد الباحثين القلائل عن الدين الحق في زمن الجاهلية جاهلية ما قبل البعثة النبوية. زمنه زمن لفته الجاهلية في ضلالها العقائدي وانحرافاتها الإجتماعية والأخلاقية ، جاهلية شملت العالم كله إلا بقايا من المتمسكين بالدين الحق تناثروا في أصقاع متباعدة من الأرض ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :".. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب..." رواه مسلم .

  كان زيد بن عمرو رجلا عاقلا أعمل عقله وفكره فيما حوله من ضلالات المشركين وانحرافاتهم ، فأرشده عقله وفطرته إلى استحالة أن يكون هذا الدين التي تتعبد به العرب هو الحق ، أصنام من تراب وربما من تمر هي آلهة هذا الإنسان العظيم في تكوينه وفكره وعقله. كان زيد يدرك أن عبادة العرب هذه باطلة بل هي مجلبة لغضب الله وسخطه ، فكيف فر زيد من غضب الله  يبحث عن الدين الحق ليتبعه ويدين به ؟!.

 روى البخاري رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال : إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا  ، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟   ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم".

  هكذا رجع زيد بالدين الحنيف دين التوحيد وإخلاص العبادة لله رب العالمين لا شريك له ، بعد أن سأل أهل الكتاب من اليهود والنصارى وأخذ شهادتهم على زيغهم وزيغ أتباعهم عن الدين الحق وشهادتهم على أن التوحيد هو الحق وعبادة الله وحده هي دين إبراهيم والرسل من بعده.

 رجع زيد بالحق لكنه لم يكتف باعتناقه والإيمان به في خاصة نفسه، إنما أعلن ذلك وجهر به في مجتمع كان كله على خلاف ما رجع به زيد ، فقد روى البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال: " رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري..." هكذا أخذ زيد يذكر قومه بانحرافهم عن ملة إبراهيم واسماعيل عليهما السلام، لم يخش زيد بطشا ولا حصارا ولا عزلا أن يقول الحق ويجهر به.

 لم يكتف زيد بالجهر بالحق وإعلانه ، إنما تحرك بمقتضى إيمانه به، فأخذ في طريق الخير والإصلاح الإجتماعي ، فها هو كما تقول أسماء رضي الله عنها في تكملة الحديث السابق " وكان يحي الموؤدة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها ، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها" . هذا هو الإيمان الذي به يحي الله النفوس وتمنع به الجرائم في حق الإنسان ويبسط به يد الخير والإحسان في المجتمع كله.

  أصبحت الحنيفية وهي الدين الحق هي المعيار الذي يقبل أو يرفض على أساسه زيد أي أمر في مجتمعه الجاهلي ، فها هو يرفض الأكل مما ذبح على النصب أو مما لم يذكر اسم الله عليه ويعيب على قومه شططهم في هذه القضية ويبين لهم تناقضهم في إقرارهم أن الله هو الذي خلق ورزق ثم ذبحهم الذبائح للأنصاب والأزلام والأوثان . فمن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (مكان في طريق التنعيم في مكة) قبل أن ينزل عليه الوحي، فقدمت إلى النبي سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وكان يقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله".

  لله در هذا الإيمان وهذا المنطق السليم، انه تناغم وتساوق عجيب بين الإيمان والعقل والمنطق والسلوك، إنه لا يأكل إلا مما ذبح على اسم الله اقرارا بربوبيته ونعمه وفضله وتطبيقا لمقتضى ذلك من الخضوع والعبودية والتسليم لله سبحانه وتعالى. إن زيدا لم يتنازل أو يجامل على حساب الحق ولو في أمر بسيط كالإجابة إلى مطعم أو مشرب ، هكذا هي الحنيفية التي تلامس شغاف القلوب وتوافق قواعد العقل السليم.  لقد استحق زيد أن يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم " يبعث أمة وحده" حسنه الوادعي في الصحيح المسند رقم 362 ويقول  " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين"  حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 3367.

 مما يستفاد من هذه القصة:

·        يمكن الوصول إلى الحق رغم كثرة الباطل وسيطرته.

·        العقل السليم والبحث دون كلل وعدم الاستسلام للتقليد ومتابعة المألوف هو الطريق إلى معرفة الحق بإذن الله.

·        الدين الحق هو الطريق إلى الخير ونشره بين الناس وهو صمام الأمان في المجتمع الإنساني.

·        المتلبس بالحق قوي وإيجابي ومحب للخير وهو عامل انقاذ حقيقي للبشرية.

·        أن التنازل عن الحق ومجاملة أهل الباطل في باطلهم جريمة في حق الله والعبودية له.

 


جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسى الموقع
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مشرفى الموقع

 لاتنسونا فى دعواتكم

 

الصفحة الرئيسية

عن الموقع

تأملات

إعجاز علمــى

أبناؤنــا

سبحان الله

قطـــوف

حديث قدســى

دعـــاء

مواقع للزيارة

سجل الضيوف